الأحد 10 ذو القعدة 1439 - 22 يوليو 2018 - 30 السرطان 1397

“نيوم”كوين والتكنولوجيا المالية

د. نوف عبدالعزيز الغامدي

في ظل العصر الرقمي الذي ينمو بوتيرة متسارعة، نشهد بين الحين والآخر حلولاً تكنولوجية مبتكرة تغير نظرتنا إلى عالم الأعمال. وتشكل الـ بلوك تشين (Blockchain) تكنولوجيا رائدة من شأنها أن تحدث تغييراً جذرياً في طريقة عمل الحكومات والشركات، وتدعم منصة بلوك تشين (Blockchain) أكثر من 2 مليون محفظة للعملة الرقمية بيتكوين (Bitcoin) وهي مدعومة من أنظمة تشغيل آبل وأندرويد وشبكة الإنترنت. وهي متاحة في جميع أنحاء العالم بأكثر من 15 لغة، ويمكن للمستخدمين إرسال العملة الرقمية من خلال رسائل البريد الإلكتروني والرسائل النصية، مع الحفاظ على خصوصية المستخدم ومستويات الأمن والحماية.

فعندما تم اختراع الإنترنت، لم يكن توفير الأمن أولويَّة، وجميع البيانات مركزيَّة، ما يعني أنَّه إذا تمَّ اختراق إحداها، فإنَّه يمكن الوصول إليها جميعاً، إلا أنَّ تقنية «بلوك تشين» توفر نظاماً غير مركزي، وبالتالي، إذا تمَّ اختراق إحدى المجموعات، فإنَّه لا يمكن اختراق المجموعات الأخرى في الوقت نفسه. لذا فإنَّ هذه التقنية تعتمد ببساطة على عنصر الأمان وتشفير الهويَّة، حيث تمكنك من الاتصال مباشرة مع الطرف الآخر من دون الحاجة للمعالجة من أطراف وسيطة ومتعدِّدة، وبالتالي يتمكَّن المستخدم من إجراء العمليات بكل حريَّة ضمن منصة عامَّة آمنة.

مبدأ هذه التقنية يعتمد على قيام العديد من الحواسيب في جميع أنحاء العالم بالتنافس للتحقق من المعاملات ومن أنَّ العمليات الحسابيَّة المنطقيَّة البرمجيَّة صحيحة، ومن يتمكَّن من حلِّها في أسرع وقت يحصل على 12.5 بيتكوين، وهي عملة إلكترونيَّة افتراضيَّة كالدولار أو اليورو، ومن هذا المبدأ سيصبح الأمان حافزاً ودافعاً رئيسياً.

وتستند تقنية الـ بلوك تشين إلى مفهومين أساسيين: شبكة الأعمال التجاريَّة، ودفتر الأستاذ المشترك، التي يقوم الأعضاء من خلالها بتبادل سلع ذات قيمة من خلال دفتر الأستاذ الذي يمتلكه كل عضو، ومحتواه ومضمونه متفق عليه مع الآخرين، نتيجة لذلك سيحدث انخفاض كبير في تكلفة وتعقيد العمليات التجاريَّة، فدفتر الأستاذ سيقوم بتسهيل إنشاء شبكات الأعمال التجاريَّة الفعَّالة ويمكن تتبع وتداول أي شيء ذو قيمة تقريباً من دون الحاجة إلى نقطة مركزيَّة للمراقبة.

تشير الدراسات إلى أن حجم السوق العالمي للتعاملات الرقمية يصل إلى 9.5 مليارات دولار كما يُتوقع أن يصل حجم الاستثمارات العالمية في تكنولوجيا التعاملات الرقمية البلوك تشين إلى 300 مليار دولار خلال السنوات الأربع المقبلة، فالنمو الكبير في حجم التداولات بإستخدام منصات التعاملات الرقمية البلوك تشين خلال عام 2015 والذي وصل إلى 56٪ يشير إلى الفرص الكبيرة التي يمكن انتهازها من خلال التطبيق الأمثل لهذه التكنولوجيا في القطاعات ذات العلاقة، البلوك تشين هو بروتوكول رقمي للقيام بالتعاملات ونقل الأموال بإستخدام شبكة واسعة من الحواسيب المنتشرة حول العالم، وأن القواعد التي يحتاجها هذا البروتوكول هي: توافر عملة الكرتونية، سجل دقيق، وثقة مطلقة بين المتداولين، كما يمكن أن تكون بيانات هذه العمليات خاصة أو عامة وفقاً لاختيار نوعية سرية المعلومات الشخصية للأطراف المعنية بعملية التداول.

ونعرف جيداً الطريقة التقليدية للإستثمار في الشركات، وذلك يكون عبر البورصة، و نعرف ان الشركة تطرح جزء او كل من الاسهم الخاصة بها للعامة في البورصة وعرضها للبيع، والمستثمر يمكن ان يشتري اي قدر من الأسهم المعروضة، ولكي تكون أرباحه جيدة يجب أن يستثمر مبلغاً كبيراً، كما تزداد قيمة السهم أو تقل قيمته حسب الحالة الاقتصادية للشركة، أما الأرباح فهي توزع كل سنة على مالكي الأسهم و المساهمين في الشركة، و هي إجراءات معقدة، وقد تحتاج أن تستثمر فقط في المشاريع المحلية، وعليك أن تنتظر كثيراً وتحتاج إلى مبلغ كبير! 

أما الإستثمار في المشاريع و الشركات عبر Initial Coin Offering شيئ اخر ازال كل الحدود والحواجز المطروحة في الإستثمارت التقليدية، أي أن كل مشروع يبيع عملته أو رمزه الخاص للعامة بالعملة الرقميه أو ببطاقات الإئتمان أو أي وسيلة للدفع عبر الإنترنت، وهذه الرموز يكون سعرها مختلف ما بين بداية ونهاية ICO ، أيضا هذه الرموز تكون محدودة في البلوكشين اي لا يتم إنتاج اي عملة اخرى بعد انتهاء ICO وهو الأمر الذي يزيد من قيمة الرمز بعد تداوله في منصات الصرف وتداول العملات الرقمية العالمية.

وكمثال على هذا النوع من الإستثمار مشروع مزرعة الموز؛ BananaCoin وهو مشروع قائم بحد ذاته أي منصة خاصة به و ليس في كل مرة يتم بث مشروع آخر بل هو مشروع مقتصر على مزرعة الموز التي يتكلف بها القائمون على المشروع و يمكن الإستثمار فيه بشراء الـ Tokens كأي منصة أخرى، المشروع مبني على إنتاج الموز و بيعه أي أنه يمر بجميع المراحل الخاصة بإنتاج الموز من بداية الحرث والزارعة ثم متابعة نموه نهاية بالحصاد.

BananaCoin هو الأول من نوعه  للبلوكشين في العالم للاستثمار في إنتاج الموز العضوي في محافظة Vientiane بجمهورية لاو الديمقراطية الشعبية، ويقدر العجز فى تصدير الموز إلى الصين بحوالى 30 الف هكتار، ويزداد نمو الاستهلاك ويغلق المزيد من المزارع الصينية لإستخدام الكيمياء، كما أن سعر Tokens الخاص بـ BananaCoin محمي بتكلفة كيلوغرام واحد من الموز، وبعد أن تستثمر في بـ BananaCoin لديك الفرصة للحصول على الحد الأدنى من الأرباح 100٪ فور تنفيذ المشروع، و الـ BananaCoin هو أداة مالية كاملة يتم تداولها بحرية في البورصة ولكل مستثمر في المشروع له الحق في زيارة شخصيه للمزرعة.

ويمكن الاستفادة من منصات التعاملات الرقمية "البلوك تشين" للقيام بالتداولات المالية الرقمية، وذلك ما يحد من عمليات الاحتيال وغسيل الأموال، فعلى سبيل المثال العملة الرقمية غير قابلة للتزوير أو التلف ويمكن نقلها عبر الحدود بكل سهولة، كما يمكنها تسهيل عملية التسوق عبر شبكات التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية، ومن الضروري عدم التعامل في هذه العملات الافتراضية دون مرورها عبر القنوات الرسمية، للتأكد ممن هم وراءها تجنبا لأي مخاطر والتأكد من أنها لا تستخدم في عمليات غسل الأموال. ويشير مصطلح التكنولوجيا المالية أو «فاين - تك» إلى صناعة مكونة من شركات تعمل على تسخير التكنولوجيا لخدمة قطاع المدفوعات، وتعرف بأنها ابتكار في مجال الخدمات المالية، وتستخدم الشركات الجديدة الناشئة هذه التكنولوجيا لمنافسة الأنظمة المالية الحالية.

لذا اقترح انشاء مجلس وطني للتعاملات الرقمية تشرف عليه لجنة إشرافية واستشارية من عدة جهات حكومية وخاصه، البنوك وشركات التكنولوجيا والإتصالات والشركات الإستثمارية ومايكروسوفت وساب وغيرها ضمن الإتحاد السعودي للأمن السيبراني والبرمجة لتسهم في تبادل الأفكار المبتكرة والاتجاهات المتوقعة لقطاع التداولات المالية باستخدام العملات الرقمية بهدف استكشاف وبحث التطبيقات الحالية والمستقبلية لها والعمل على تنظيم التعاملات الرقمية عبر منصات تكنولوجيا البلوك تشين (Blockchain)، والتي يمكن من خلالها تسجيل وتوثيق كل المعاملات الرقمية والتداولات باستخدام عملات البيتكوين الرقمية (Bitcoin) وغيرها، وذلك في إطار تبني أحدث الابتكارات والممارسات الناجحة على مستوى العالم، ويعمل البرنامج ايضاً على بحث الابتكار الرقمي في مستقبل المال والأعمال ودوره في تسهيل التعاملات ضمن القطاعات المختلفة المالية وغير المالية وزيادة كفاءتها واعتماديتها، وتبني استراتيجيات تطوير علوم المستقبل والابتكار واستشراف الجيل القادم من التكنولوجيا، وتبني التكنولوجيا الواعدة في القطاعات ذات الاهتمام الاستراتيجي والمساهمة في بناء اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار والتفكير المستقبلي.

ان تشكيل هذا المجلس الوطني ضمن الإتحاد السعودي للأمن السيبراني والبرمجة يشكل خطوة جديدة ضمن إطار متطلبات الجيل الجديد من الخدمات في مدن المستقبل والذكاء الإصطناعي وتطوير حلول تنموية مبتكرة، ويسهم في تعزيز التوعية المجتمعية بأهمية الإبداع والإبتكار لمواكبة متطلبات المستقبل، والإسهام في تحفيز الاختراعات والابتكارات، ويعمل على إطلاق مجموعة من المبادرات المبتكرة للتعريف بمنصات بلوك تشين (Blockchain) والعملات الرقمية وتحديد إيجابياتها وسلبيتها، إضافة إلى رسم خارطة طريق للتبني والاستخدام الأمثل لهذه التكنولوجيا الناشئة، 

وهو ما يؤكد التزام الدولة بمستوى المعيشة والتكنولوجيا الجديدة، فـ البلوك تشين (Blockchain)، تفتح فرص كبيرة لجميع مقدمي الخدمات لتطوير كيفية القيام بالمعاملات، ما يجعل تجربة المستخدم آمنة ومرنة، وتوفر السرعة في القيام بالمعاملات وتخفض من تكاليف القيام بهذه المعاملات، وتشير تقارير قطاع التداول الرقمي إلى أن متوسط حجم المعاملات باستخدام العملة الرقمية (Bitcoin) يبلغ 105.6 ملايين دولار في اليوم، وتقدر القيمة السوقية للعملة الرقمية (Bitcoin) بنحو 6.5 مليارات دولار. وتعد (Bitcoin) واحدة من أكثر العملات الرقمية استخداماً بالإضافة إلى ريبل (Ripple)، وداش (Dash)، وأورو كوين (Auroracoin).

اقتصادات المنطقة والسعودية بالتحديد تعيش مرحلة من التغيير السريع حيث تعمل على التنويع بعيدًا عن الأصول المرتكزة على النفط والسلع النابضة وتستنبط مصادر جديدة من الموارد مع التركيز على التقنية الجديدة كنواة لذلك التوجه، لكن الفرص تواكبها تحديات، ومع نشوء المدن الذكية كـ نيوم، و القدية وغيرها لدعم البرامج الوطنية، ينبغي أن تكون الدولة مستعدة لمواجهة التهديدات التي تتراوح ما بين القرصنة والجريمة الإلكترونية، وهنا يكمن دور تقنية "بلوك تشين" في مساعدة تلك المدن على تحقيق أهدافها من الاقتصاد الرقمي في الوقت الذي تضمن فيه أقصى درجات أمن الشبكة، وقد يتحقق ذلك في عدة قطاعات منها: التعليم، فعلى سبيل المثال حققت الجامعة البريطانية في دبي مؤخراً المرتبة الأولى في دولة الإمارات والثالثة على مستوى العالم في كونها الجامعة التي تمنح خريجيها الشهادة الرقمية باعتماد تقنية "بلوك تشين" وتعد الجامعة الأولى في الإمارات التي تمنح إمكانية التحقق الإلكتروني للشهادات الصادرة عنها (ماجستير ودكتوراه) من خلال أداة تحقق عبر الإنترنت، ولكل شهادة بصمة إلكترونية تضاف إلى سلسلة البيتكوين ولدفتر محاسبة عالمي (لدجر) غير مركزي وموزع، مما يمنح المستخدمين (والشركات المحتملة) تحققاً سريعاً وآمناً من خلال أداة التحقق على موقع الجامعة.

أما في قطاع الرعاية الصحية والتي تعد صلب تطوير المدينة الذكية، فتقنية “بلوك تشين” قادرة على منع اختراق البيانات في قطاع الرعاية الصحية من خلال استحداث وظائف موثوقة متعددة التواقيع والتشفير. وبإعتماد تقنية “بلوك تشين”، يمكن استحداث سجلات المرضى والمشاركة بها والوصول اليها من قبل جهات عديدة من دون تعريض صحة وأمن البيانات للإختراق، فمن خلال هذه التقنية، يمكن للمرضى استخدام توقيعهم الخاص إضافة إلى توقيع صادر عن المستشفى للوصول إلى مجموعة من البيانات في حالات مختلفة.

كما ان تقنية “بلوك تشين” مفيدة أيضًا في التأمين وعملية إصدار الفواتير، حيث تمكن التقنية المرضى وشركات التأمين وقسم الفواتير في المستشفى من إدارة المدفوعات من خلال منصة واحدة تخفف من التكرار عبر القطاع.

اما في قطاع النقل فقد أصبحت السيارات مكونًا تفاعليًا في شبكة النقل المتصلة المتنامية. إضافة إلى البرامج وأعمال التشخيص التي تحسن أمان وأداء السيارة، تتيح تطورات التقنية حاليا للسيارات رصد أنماط حركة السير والإفادة عن الأخاديد والانبعاثات واستهلاك الوقود، وتساعد تقنية “بلوك تشين” على تخفيف مخاطر أمن شبكة الانترنت من خلال توفير منصة موثوقة وآمنة، حيث تحفظ البيانات بأمان في دفتر حسابات جماعي موزع يمكن أن يكون عاما أو خاصا، وفق الاستخدام والتصريحات.

وفِي القطاع المالي، فتقنية “بلوك تشين” تفيد النظام المالي من خلال توفير بيئة مباشرة وفعالة وآمنة للمعاملات لتبادل مجموعة من الأدوات المالية من الأسهم والسندات والعملة النقدية، إلى الأجور والفوائد وأميال شركات الطيران، والعملات الرقمية نوعان؛ الأول يتمثل في العملات الإلكترونية الموازية للعملة المحلية الوطنية وهذه لا بأس بها، أما النوع الثاني المتمثل في العملات الافتراضية فهو النوع الذي يمكن أن يكون هناك بعض المخاطر المرتبطة بها لأنها تعتمد على العرض والطلب وليس لها مرجع معروف.

وبينما ترتبط تقنية “بلوك تشين” بتقنية بيتكوين، تتميز التقنية بتطبيقات تغيير يمكن أن تزيد من أداء المعاملات وتخفيض التكاليف وإلغاء الحاجة إلى الانظمة القائمة كشركات المقاصة المالية، كما تساعد تقنية “بلوك تشين” الحكومات في بلدان الخليج العربي على تعزيز الأمان في النظام المالي من خلال ضمان وتسهيل المعاملات في سوق رأس المال الاسلامي السريع النمو، وتحسين الوصول الموثوق الفسيح القاعدة بالنسبة للمستثمرين، والمساعدة في عملية طلب القروض بالنسبة للبنوك الاسلامية من خلال إصدار إتفاق ذكي مستخرج وموثق ومكرر عبر الشبكة، وإدارة سرقة الهوية وإتاحة الموافقة الذكية على التمويل.

كما أن دعم الشركات الناشئة والأنظمة البيئية المسرعة أمر أساسي لنمو الاقتصاد الرقمي في بلدان الخليج العربي. و”تقنية “بلوك تشين” قادرة على تأدية دور بارز في احتضان النظام البيئي للشركات الناشئة من خلال تسهيل الاجراءات كتسجيل الشركة وضمان التمويل وتسجيل الملكية الفكرية.

أن مشاريع الذكاء الاصطناعي مربحة وحققت نجاحات كبيرة، عبر تقديم التقنيات الحديثة على المستويين المحلي والدولي، وتقدم الحس الذكي لـ رؤية 2030، التي من أهدافها الانتقال إلى عالم الإبداع والابتكار، عبر تطوير التكنولوجيا، والروبوتات ومنصات التعاملات الرقمية لتكوين استثمارات نوعيه، وهذه التقنيات ستساعد مشروع نيوم ليكون مدينة ذكية، ويتضمن مستشفيات ذكية، مدارس ذكية، ومنازل ذكية، فمن أن أهم عوامل الذكاء الاصطناعي البنية التحتية التي تخدم التمديدات الذكية، والطرق الذكية، والكهرباء الذكية، والمياه الذكية، لذا لابد من مواكبة المستقبل والتحولات.

consultant_nouf@ المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

عجلان وإخوانه