الخميس 10 رمضان 1439 - 24 مايو 2018 - 02 الجوزاء 1397

مهاتير محمد .. عودة الداهية العجوز

أحمد الخطيب

يعود الطبيب العجوز الى الحكم في ماليزيا وهو بعمر 92 سنة بعد أن مارس مرة جديدة حنكته السياسية وقدرته على تطويع الظروف والأحداث لمصلحته. يستلم رئاسة الحكومة الماليزية بعد 15 سنة من خروجه منها طوعا تحت عنوان التقاعد رغم أنه لم ينقطع عن السياسة أبدا واستمر صانعا للرؤساء من بعده قبل أن ينقلب عليهم ويعارضهم. 

شكل مهاتير محمد علامة فارقة في تاريخ ماليزيا خلال فترة حكمه السابقة التي امتدت 22 سنة حيث شهد الاقتصاد الماليزي نموا مرتفعا طوال معظم تلك السنوات بالاضافة الى إجرائه تغييرات هيكلية كبيرة في التعليم والبنية التحتية مما جعل ماليزيا تحتل مراكز متقدمة اقتصاديا في اسيا والعالم. 

لم تكن الإجراءات الاقتصادية التي قام بها مهاتير خارقة للعادة او ابداعية، بل كانت بسيطة وعادية ومنطقية. فهي تضمنت خططا لجذب الاستثمارات الخارجية وتشجيع الصناعة المحلية وخصخصة الكثير من القطاعات الحكومية وهي أعمال أو خطط نجدها في معظم الخطط الاقتصادية التنموية. الفرق بالنسبة لمهاتير وماليزيا كان القدرة على التنفيذ والإنجاز وهو ما تحقق بفضل كل ما كان يقوم به مهاتير خلف الكواليس بدهاء وتفكير استراتيجي عميق.

برع مهاتير في الادارة الشاملة لكل ما يتعلق بالحكم في ماليزيا. كان يعرف متى يحرك الشارع لمصلحته ومتى يستخدم القوانين للتخلص من معارضيه وكان يعرف التوقيت المناسب للتحرك ضد صلاحيات السلاطين والحد من تدخلهم في السلطة، لذلك لم يكن مستغربا ان يكسب الانتخابات دائما بنِسَب مرتفعة. حتى داخل حزبه كان يتحرك قبل خصومه في كل مرة ولا يعطيهم أي فرصة لمنافسته على قيادة الحزب.

في القراءة التاريخية لتلك المرحلة، فإن كل ما قام به مهاتير لم يكن لمصالح أو منافع شخصية بل كان لضمان استمرار تنفيذ الخطط التنموية والاقتصادية وهو ما نجح به نجاحا باهرا متغلبا على كل التحديات التي واجهته. ولعل أكبر التحديات التي واجهها مهاتير هي الأزمة الآسيوية في نهاية التسعينات عندما انهارت العملات الآسيوية ومعها البورصات مما وضع تلك الدول تحت خطر الإفلاس وضياع كل ما تم عمله في العقود السابقة. استعانت عدة دول آسيوية وقتها بصندوق النقد الدولي وحصلت على سيولة مقابل الالتزام بإصلاحات اقتصادية.

كانت ماليزيا تتجه ايضا نحو الحصول على قرض من صندوق النقد لكن مهاتير في اللحظة المناسبة وقف وأعلن أمام شعبه أنه لن يقبل بفرض ضرائب مرتفعة ولا  بإفلاس الشركات الماليزية. تفاصيل القصة معروفة وسبق ان كُتبت عنها، لكن المهم هنا هو أن مهاتير بحنكته ودهائه هيأ الظروف كي ينجح في مسعاه فأبعد نائبه وزير المالية أنور ابراهيم الذي كان مؤيدا للاتفاق مع صندوق النقد ولديه علاقات دولية كثيرة خشي مهاتير من تأثيرها. لم يكتفي بعزله بل دفع به الى المحاكمة بعدة اتهامات مشكوك بها تم تبرئته من معظمها ولكن بعد ان ابتعد وقضى في السجن عدة سنوات. 

جاء مهاتير بأنور في البداية الى الحزب وبعد ذلك الى الحكومة لأنه كان يحتاج لوجه إسلامي لموازنة شعبية الحزب. وأمّن أنور ذلك بسبب خلفيته في قيادة المنظمات الشبابية الاسلامية واستمر في الترقي في المناصب حتى عينه مهاتير نائبا له قبل ان يتخلص منه كما ذكرنا. واليوم بعد كل تلك السنوات عاد مهاتير للتحالف مع أنور الذي يعتبر القائد الفعلي للمعارضة لأن ذلك يتماشى مع أهدافه بالتخلص من رئيس الوزراء نجيب رزاق الذي كان لمهاتير دور في وصوله للحكم وكان ذلك ايضا بعد ان انقلب مهاتير على عبدالله بدوي الذي اختاره بنفسه ليخلفه في رئاسة الحكومة عام 2003. 

في بداية حكم مهاتير عام 1982 كان حجم الاقتصاد الماليزي 26 مليار دولار وعندما تقاعد كان الاقتصاد قد زاد حجمه 4 مرات (110 مليار دولار) بينما يبلغ حجمه اليوم ما يقارب 300 مليار دولار أي أن الاقتصاد نما بنسبة 172% خلال غياب مهاتير عن الحكم رغم عدة هزات أهمها أزمة 2008 وايضاً تراجع النمو الى نسب متدنية في السنوات الأخيرة. 

يعود مهاتير اليوم بنفس الحنكة والدهاء ويطلق الوعود الاقتصادية والاجتماعية لكنه هذه المرة مثقل بتقدمه بالعمر وبالتحالفات مع عدة أحزاب عليه الموازنة بينها بالإضافة الى ما يبدو انه اتفاق مسبق بأن يعمل بعد تسلمه الحكم على تأمين الإفراج عن أنور ابراهيم وتسليمه الحكم والعودة الى التقاعد. وبسبب كل ذلك يصعب توقع ان ينجز مهاتير الكثير في الحكم لكنه بالتأكيد سيترك أثرا بطريقة ما.

في قراءة سيرة مهاتير محمد وانجازاته، لا أجد أن قوته وميزته في كونه مفكرا أو اقتصاديا بارعا بل هي في أنه داهية في الادارة والموازنة بين السياسة وتوفير كل المتطلبات في سبيل تنفيذ الخطط التي يضعها ولا يهمه أن يتم وصفه بالديكتاتور طالما هو يحقق الأهداف. 

لم يُعرف عن عهد مهاتير انه عهد حريات ولا تعددية آراء بل هناك الكثير من الاتهامات حول العديد من الممارسات السيئة، لكن العبرة في النتائج ولذلك يبقى اسم مهاتير محمد محفورا في التاريخ الماليزي بأحرف كبيرة. 
 

كاتب اقتصادي ahmad_khatib@ المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

سعد الحجيلي سموت بكلماتك وبينت حقائق أغلب مجتمعتنا الذى يرى ان المظهر...
احمد واضح توجهاتك بخصوص اردوغان وبخصوص كل ماهو اسلامي
مجهول ارجو ان لايكون المواطن ضحيه للتجارب. الحلول السريعه يجب ان...
غاده بالتوفيق دكتور اتمنى لك مزيدا من التقدم والازدهار مبدع...
احمد ابوعماره اتفق معكم دكتور عبدالرحمن بضرورة تسليط الضوء على هذا الجانب...
عجلان وإخوانه