الخميس 10 رمضان 1439 - 24 مايو 2018 - 02 الجوزاء 1397

الذهب ثم الذهب .. إلى المزيد من البريق

أحمد الحديد

تتأثر أسواق المال, بكافة فروعها, لعدة عوامل منها, لا الحصر: السياسية والاقتصادية والكوارث الطبيعية ثم الفنية إلى آخره. ولكن بدأت مؤخرا مؤشرات ربما يؤدي تفاقمها إلى تعقيدات كثيرة في عدد من الأسواق وما يهمنا في هذه المقالة نتيجة هذه الأحداث على سعر الذهب.

ما يحصل حاليا من توترات سياسية بعدة أقاليم, الأهم منها هو ما يبدوا كأنه عودة للحرب الباردة بين أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية من جهه وبين روسيا من الجهه الأخرى. فالعزلة الروسية من قبل جيرانها الأوربيون والاستمرار في التشدد كعقوبات اقتصادية كوسيلة ضغط على الروس وتقليص التمثيل الدبلوماسي تلاها مؤخرا الحظر على كيانات من أفراد (بعضهم أقرباء للرئيس) ومؤسسات روسية بلا شك سيؤدي الى حدة في التوترات مستقبلا.

روسيا تمتلك اجمالي احتياطيات نظامية تقدر بـ 458 مليار دولار منها ذهب بما يعادل 1,828 طن من الذهب وهي نسبه بسيطه (6%) من اجمالي الذهب العالمي. لذلك وعلى الأجدر ان يقوم الروس في الفترة القادمة بإعادة ميزان احتياطياتهم ربما إلى المزيد من الذهب وتقليص احتياطي العملات.

المؤشر المخيف الثاني والذي يشغل الإعلام قبل الأسواق في هذه الأيام وهو بداية حرب التجارة! والتي بنظري كانت الجهود تبذل لتلافيها منذ أكثر من 20 عام أو أكثر بقليل وذلك عندما بدأت أمريكا ومجموعة السبع الصناعية بمحاولة إصلاح أسواق العملات لما يتماشى مع قوة كل اقتصاد ولكن وللأسف هنالك دول كالصين استغلت هذا الخلل في نظام صرف العملات لمصالحها التجارية الاقتصادية.

 وحتى لو نفرض جدلا بأن الصين رضخت ولو بالقليل للضغوط في السنوات الماضية لإعادة تقييم عملتها بما يتماشى مع قوتها الاقتصادية الا ان ما اتخذ من اجراءات اصلاحية من قبل الصينيون لم يكن بالمقياس العادل للعمله. بالإضافه الى ذلك اعتماد الصين على الإنتاج العالي بتكاليف متدنية لاتقارن مع تكاليف المنافسين أدى إلى خروج أو إفلاس أو على الأقل تسبب بخسارة لبعض القطاعات في كثير من البلدان. ولكي يحافظ البعض على حصته السوقية ومقدرته على المنافسة احالوا مقر صناعاتهم الى الصين لكي يستفيدوا من التكاليف المتدنية. 

التبادل التجاري بين أمريكا والصين هو أكثر من 500 مليار دولار بقليل بلغ حجم العجز التجاري الأمريكي لصالح الصين في العام الماضي -375 مليار دولار وهو رقم مأهول جدا, ثم اضرب هذا الرقم بعدد سنين العجز الماضية تجد أن الولايات المتحدة مدانه للصين بمبالغ ضخمة فاقمت من ميزانها التجاري ربما لعقدين من الزمن. ولكن من باب الانصاف للصين, فلها الفضل الكبير لتخفيف حدة تضخم الأسعار الذي يعيشه العالم حاليا, ذلك أمر لا يجب نكرانه. ولكن الطموح الصيني مؤخرا لإختراق المزيد من الأسواق وإنشاء مشاريع نقل مأهولة كما هو مسمى من قبل الصينيين ب طريق الحرير (طريق الحرير: الحزام الاقتصادي الذي يمتد من آسيا الى آخر أوروبا وروسيا, وطريق الحرير البحري الذي يربط الصين بأفريقيا) أصبح يشكل قلقا لكثير من الكيانات الاقتصادية التي تعتمد على التجارة والتصدير لإستمرار نموها الاقتصادي.

 صمت الولايات المتحدة الأمريكية في الثلاث عقود الماضية على دخول الصين للسوق الأمريكي كان نتيجة معادله مربحة للأمريكان أنفسهم! فكانت الصين ترسل البضائع لأمريكا وتشتري بدولارات تلك التجارة الدين الأمريكي, فكأن الصين لم تقبض فرضيا قيمة تلك التجارة. حاليا: تمتلك الصين لوحدها قرابة 6% من إجمالي سندات الدين الأمريكية. ولكن مع ذلك, لم تستطع الولايات المتحدة الأمريكية تحمل هذا النزيف التجاري مع الصين ومع كثير من البلدان الأخرى, لذلك فرض الرئيس الأمريكي ضرائب عالية على كثير من البضائع الصينية وفرض ضرائب شاملة على صناعات معينه لدعم المصنع الأمريكي منها الحديد والألومنيوم وطالب بإعادة نقاش الكثير من الإتفاقيات التجارية معلنا بذلك بداية حرب التجارة. 

السوق الأمريكي هو الأضخم عالميا ووجهة لكثير من اقطاب التجارة, إلى أن أصبح هذا الأمر يشكل خطر على الميزان التجاري الأمريكي. فكنت على قناعة أن يوما ما سيحصل ما حدث اليوم من ردة فعل صناع القرار بأمريكا, وبصراحة لا ألومهم على ما اتخذوه من قرارات, فالصالح القومي الاقتصادي هو المحرك الأساسي لكثير من السياسات.

خلل سوق العملات هو قديم جدا. فبداية الأمر كانت العملات الورقية تمثل ما يعادلها من الذهب, فكان الذهب هو المقياس. ثم تحولت إلى ما يعادلها من الدولار الأمريكي المقوم بالذهب إلى أن قامت أمريكا بفك إرتباط الدولار بالذهب في عام 1972م. ولا ننسى أن جميع المعادن تقيم بالدولار كذلك بما فيها النفط والذهب. ولأن الكثير من البلدان تعتمد على النفط كمصدر للطاقه فبرأيي أصبح النفط هو المحرك الأساسي لسعر الدولار والكثير من العملات الأخرى طبيعيا. ولكي تتضح لكم صورة ما أقول فبمراقبة سعر النفط عندما يتجه للصعود تجد أن الدولار يفقد من قيمته مقابل الكثير من العملات الرئيسية والعكس صحيح (انظر الى الرسم البياني أسفل) وذلك لعدم الإخلال في اقتصادات البلدان التي تعتمد على النفط كمصدر للطاقه والتسبب في خلق تضخم عالي فيها. 

فمثلا لنتذكر عندما كان سعر النفط فوق 100 دولار كان سعر اليورو بأعلى مستوياته وعندما انخفض النفط ل 30 دولار تراجع اليورو الى قرابة الدولار قبل سنتين. ولكن أن تقوم بعض البلدان التجارية كالصين مثلا وهي المصدر العالمي الأول بعد أن زاحت ألمانيا من عرش المرتبة الأولى بالتلاعب وتثبيت عملتها أضر في التجارة العالمية. وما حدث في السنوات الماضية من قبل أمريكا واليابان وبريطانيا وأيضا أوروبا بما يسمى التييسير الكمي والذي يربو الى طباعة النقد لضبط ميزانياتها العمومية من أحد أسباب خلل قواعد أسواق المال. برأيي يجب اصلاح أسواق العملات, أما ان تستمر بهذه الهيكلة الغير صحية فهو أمر سيء. لذلك هذا عامل آخر سوف يؤدي إلى المزيد من الطلب على الذهب.

أما العامل الثالث والذ لا يقل أهمية عن المؤشرات المذكورة  أعلاه وهو حجم الدين الأمريكي المخيف الذي يستحيل أن يتم سداده مطلقا برأيي الشخصي, إلا في حالة واحدة وهي جدا مستبعدة وهي أن تقوم الولايات المتحدة بعدم الإلتزام بالسداد ولا أريد ان أتخيل مسببات من هذا الأمر لأنها مخيفة جدا. بلغ حجم الدين الأمريكي مستويات تاريخيه 21.1 تريليون دولار متجاوزا الناتج القومي الأمريكي بقرابة 6% وبالعاده يعتبر تجاوز حجم الدين للناتج القومي المحلي مؤشر خطر غير مريح. 

وعند مقارنة سعر الذهب بمعدلات نمو الدين الأمريكي تتضح له صورة الخلل في سوق العملات وتنامي الطلب على الذهب. الصوره أسفل توضح ما أقول. ولكن العلاقة بين الذهب وحجم الدين الأمريكي تراجعت في الخمس سنوات الماضيه ولكنها على الأغلب سوف تعود تتماشى مع بعضها البعض. يشير الكثير من المراقبين الاقتصاديين الى أن الدين الأمريكي من المرجح أن يصل الى 25 ترليون دولار في عام 2022 لعدة أسباب منها استمرار عجز الميزانية الحكومية وخطة الرئيس الأمريكي لاصلاح البنية التحتية التي تتجاوز الترليون دولار وغيره من الاسباب. 

الذهب على مدى العصور ولازال يعتبر الملاذ الآمن الحقيقي وتلك الفرضية لم تتغير بعد. الذهب المعلن عالميا هو 32.7 ألف طن من الذهب تتمتلك أمريكا وحدها منه 8.13 ألف طن ما يعادل ربع ذهب العالم, تليها الصين ثم روسيا بقليل فوق 1.8 ألف طن من الذهب. البنوك المركزيه لم تهدأ يوما من شراء الذهب ولكن لاعتبارات كثيرة كانت وتيرة شراء الذهب محدودة نوعا ما في السنوات الماضية. يقدر احتياطي الصين النظامي بـ 3.14 ترليون دولار وما تمتلكه من الذهب يعادل نسبة بسيطة جدا من هذا الاحتياطي لذا على الأغلب في حرب التجارة القائمة حاليا ان لا تستمر الصين بشراء سندات الدين الأمريكي وعلى الأرجح سيستبدل جزء منها لشراء الذهب.

ما يميز الذهب بنظري هو كونه لا يدخل بأي صناعة, فلا يرتبط بنمو أو كساد تلك الصناعة لذلك فهو محصن من الأزمات الاقتصادية وذلك هو قيمة الذهب الحقيقية, بنظري.

لذلك اعتقد, والله أعلم, أن الطلب على الذهب في السنوات القادمة سوف يرتفع ويرتفع معه سعره لمحدودية عرض المناجم. وسوف نرى أسعارا تاريخية متجاوزا ما تم تسجيله سابقا, الى أكثر من الألفين دولار للاونصه (سعر أونصة الذهب حاليا ب 1333 دولار).

مراقب لأسواق المال

    مقالات سابقة

المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

سعد الحجيلي سموت بكلماتك وبينت حقائق أغلب مجتمعتنا الذى يرى ان المظهر...
احمد واضح توجهاتك بخصوص اردوغان وبخصوص كل ماهو اسلامي
مجهول ارجو ان لايكون المواطن ضحيه للتجارب. الحلول السريعه يجب ان...
غاده بالتوفيق دكتور اتمنى لك مزيدا من التقدم والازدهار مبدع...
احمد ابوعماره اتفق معكم دكتور عبدالرحمن بضرورة تسليط الضوء على هذا الجانب...
عجلان وإخوانه