الأحد 05 جمادى الأولى 1439 - 21 يناير 2018 - 30 الدلو 1396

70 عاما من ابتكار رأس المال الجريء

عصام الذكير

يكثر في الآونة الأخيرة بالجامعات والمؤتمرات وكذلك الملتقيات الحديث عن مفهوم رأس المال الجريء ، كما تتجه الشركات بجميع قطاعاتها وحتى الحكومات لدعم هذا النوع من الاستثمارات رغم المخاطر العالية التي تكتنفها. 

إلا أن الطابع الذي يغلب على تلك الأحاديث التركيز على آلية عمل هذا النوع من الاستثمار ومراحله ومخاطره والفرص الموجودة فيه ،  في حين يتساءل الكثير منا عن تاريخ نشأة رأس المال الجريء والمراحل التي مر بها ، ولماذا أصبح هذا النوع من الاستثمار وجهة للشركات والحكومات والمؤسسات التعليمية وحتى المؤسسات الغير ربحية في بعض الأحيان ؟

نشأة رأس المال الجريء 

يعتبر رأس المال الجريء أحد قنوات التمويل والاستثمار في المشاريع الريادية في مراحلها الأولى. حيث يعود تاريخ فكرة استثمار رأس المال الجريء إلى الأمريكي من أصل فرنسي (جورج دوريوت) الذي أسس في عام 1946 الشركة الأمريكية للأبحاث والتطوير، والتي اعتبرت كأول شركة عامة تستثمر في الشركات الناشئة. في عام 1957م حققت الشركة أول صفقة استثمارية بعد سلسلة من الاستثمارات الفاشلة ، حيث استثمرت الشركة 70 ألف دولار في شركة معدات تقنية والتي وصلت قيمة الاستثمار فيها عام 1968م إلى 38 مليون دولار عندما أرادت الشركة طرح أسهمها في سوق المال (أي بما يعادل 500 ضعف) وسمي بعدها بـ ( أب الاستثمار الجريء) والذي استثمر حينها في أكثر من 155شركة ناشئة.  

بعدها لم يتوقف نشاط الاستثمار في الشركات الناشئة والأفكار والمبادرات حتى بدأ تأسيس شركات متخصصة في مجالات معينة مثل الطب والتقنية وصولاً الى انترنت الأشياء والذكاء الصناعي في وقتنا الحالي.  

مراحل تطور الاستثمار الجريء 

عندما بدأت بعض الشركات بالالتفات إلى العوائد المجزية التي يتسم فيها هذا النوع من الاستثمار وجدت نفسها أمام شركات ناشئة لديها الابتكار والطموح والأفكار في حين ينقصها الكثير من الأساسيات التي تتسم فيها الشركات الكبيرة من نظام وحوكمة وسياسات وتقارير. مما نتج عن ذلك نشوء ما يعرف بحاضنات ومسرعات الأعمال.

حاضنات الاعمال  Incubators

تعتبر حاضنات الاعمال برامج مصممة لانجاح وتطوير شركات رواد الاعمال من خلال دعمهم بمجموعة من المصادر والخدمات والمساحات المكتبية والمعلومات التي يحتاجونها. بدأ مفهوم (حاضنات الاعمال) بالرواج في نهاية الستينات الميلادية من القرن الماضي حيث تم إنشاء العديد من حاضنات الأعمال الأمريكية وخصوصاً في الجامعات والمجمعات الاقتصادية. تقوم تلك الحاضنات حيث يتم بتوفير المساحة المكتبية والحاجيات الأساسية بالإضافة إلى الدعم التقني والمعرفي لبدء العمل مقابل تملك حصة في الشركة الناشئة. في حين أن الحاضنات لا تقوم في الغالب بتوفير الدعم المالي. 

 مع نشاط حاضنات الأعمال والفرص المتزايدة في القطاع ودعم الحكومات لهذا الابتكار كان إكمال البيئة يتطلب وجود أموال جريئة تستثمر في هذه الفرص من بدايتها حتى تنميتها ووصولاً إلى طرحها في أسواق المال ، وتعتبر "سيكويا كابتال" و "KPCB " من أوائل الشركات الاستثمارية عملاً في هذا المجال. حيث بدأ نشاط الشركة في منتصف عام 1972lحتى أصبح الاستثمار الجريء نوع من الأصول الاستثمارية للشركات المالية والخاصة . كما ازداد عدد حاضنات الأعمال حول العالم بشكل ملفت حيث وصل تعدادها في أمريكا لوحدها إلى أكثر من ٥٥ حاضنة في عام 1985l.

بعد ذلك ، تراجع النمو في قطاع الاستثمار الجريء خلال الفترة من منتصف الثمانينات وحتى منتصف التسعينات. ويعزو الخبراء أسباب ذلك إلى محدودية الوعي بهذا النوع من الاستثمار بالاضافة إلى حالة الركود التي عانت منها الاقتصادات في تلك الفترة. 

مسرعات الاعمال  Accelerators

مع ظهور التقنية أواخر التسعينات وزيادة الابتكار لدى رواد الاعمال وعدم حاجة الشركات الناشئة لكل الخدمات التي تقدمها حاضنات الاعمال بدأ مفهوم آخر بالظهور في بداية الألفية وهو ما يعرف بـ (مسرعات الاعمال). تقوم مسرعة الأعمال بعمل برنامج لفترة قصيرة تتراوح من ثلاث الى ستة أشهر لتسريع نمو الشركة الناشئة وحل مشاكلها الاستراتيجية والتنظيمية والتشغيلية التي قد تواجهها المنشأة مقابل حصة ملكية في الشركة ، ثم تنتهي فتره تسريع الاعمال بعرض الفكرة أمام مستثمرين وصناديق رأس مال جريء للاستثمار فيها وتعتبر الشركة جاهزة للانطلاق.

 

تعتبر Y-Combinator التي أنشئت في عام 2005 من أنجح وأكبر مسرعات الاعمال حول العالم ، وهي بنفس الوقت مستثمر في رأس المال الجريء من خلال الوقت التي تمضيه مع الشركة لحل مشاكلها وكذلك من خلال الاموال التي تستثمرها في الشركات الناشئة بحيث لا تتعدى ملكيتها 7% من الشركة الناشئة. بنهاية عام 2017استثمرت الشركة في أكثر من 1470 شركة منها Dropbox ، AirBnB وغيرها حيث بلغت مجموع قيمة استثماراتها السوقيه ما يزيد عن الـ 80 مليار دولار. 

ازداد النمو في مسرعات الأعمال بشكل متسارع حيث وصل عدد المسرعات في أمريكا فقط 300 مسرعة بنهاية 2016l. اليوم نجد أن أكبر 4 مسرعات في العالم تستثمر في أكثر من 100 شركة ناشئة بشكل سنوي. تتخصص بعض تلك المسرعات بالاستثمار في قطاعات محددة في حين أن بعضها تستثمر في أكثر من قطاع عن طريق صناديق رأس المال الجريء التابعة لها.

وحسب دراسه لجامعه هافارد للاعمال فان حوالي 27% من الشركات التي دخلت في مجتمع مسرعات الاعمال يتم تمويلها في مرحله الاستثمار اللاحقه (مرحله A).

بعد ذلك أصبحت صناديق رأس المال الجريء تهتم في رائد الاعمال ومنشأ الفكرة وتوقيتها أكثر من الفكرة بحد ذاتها ، نظرا لما مروا به من تجارب فاشلة عندما كان تركيزهم على الأفكار الجيدة فقط ولم يرعوا الانتباه الى العناصر الأخرى مثل أن يكون فريق العمل القائم على هذه الأفكار الرائعة ليس لديه الاهلية لتحقيقها على ارض الواقع.

المستثمر الملائكي Angel Investors

مع كثره الحاضنات والمسرعات وكذلك نشاط ابتكار الأفكار لدى رواد الاعمال ظهر مجموعة من المستثمرين الراغبين في دخول هذا النوع من الاستثمارات وأخذ المخاطرة والاستفادة من العوائد الكبيرة مقارنة بالاستثمارات الأخرى وذلك في بدايه 2007l. و بالرغم من وجود مستثمرين مهتمين في هذا النوع من الاستثمارات إلا أن نشاطهم لا يكاد يذكر ، حيث كانت الاجتهادات فردية من ناحية الاستثمارات ومراجعة عمل شركات رواد الاعمال ومع هذا كله فقد تم تسجيل 230  آلف مستثمر فردي في شركات وصناديق رأس مال جريء خلال الفترة lk 2001حتى 2007. 

في عام 2010l ظهرت مبادرات لتجميع المستثمرين الأفراد (الملائكيين) في منظمة أو قائمة حتى ظهرت أحد أفضل القنوات الاستثمارية للأفراد من خلال موقع (قائمة الملائكه – Angel List) الذي أنشئ في عام 2010 وحسب المعلومات المتوفرة فإنه تم من خلال الموقع استثمار اكثر من ٦٥٠ مليون دولار في اكثر من 1720 شركه ناشئه. 

التمويل الجماعي Crowdfunding

يعتبر التمويل الجماعي تمويل للمشاريع الناشئة من خلال تجميع أموال – في الغالب تكون مبالغ منخفضة جدا – عن طريق عدد كبير من الأشخاص مما يتيح الفرصة لكل عضو في المجتمع من استثمار مبلغ معين من المال مهما كانت قيمة المدخرات البسيطة وخصوصاً في المشاريع الناشئة.  

يهدف هذا النوع من الاستثمار إلى الاستفاده من الفرص المعروضة وكذلك المساعدة ودعم رائد الاعمال لتنفيذ فكرته من خلال التنازل عن جزء من ملكية فكرته او شركته. وظهر هذا النوع من التمويل في عام 2008عندما أرادت مجموعة من المعجبين بالفن بحشد أموال لصالح فرقة موسيقية من أجل القيام بجولة من خلال منصات تمويل عبر الانترنت. 

ويعتبر هذا النوع من الاستثمار هو استثمار فردي جريء من خلال أفراد لديهم الاموال لوضعها في شركات متعددة واصول استثمارية غير تقليدية مثل الأسهم والعقار وغيرها. وهذا النوع من الاستثمار لا يعتبر بشكل مباشر استثمار جريء من خلال شركات أو حتى أفراد وإنما تمويل جماعي لفكرة جريئة لم تتشكل بعد.

حديثاً ، ارتفع عدد منصات التمويل الجماعي حول العالم إلى أكثر من 1333 منصة تمويل بنهاية عام 2015 حسب دراسة لمنظمه التمويل الجماعي. ففي بريطانيا فقط تنمو نسبة التمويل الجماعي بشكل سنوي بنسبه تقارب 110%  حتى وصل مجموع الأموال المجمعة 2 مليار دولار حتى بنهاية عام 2014l، تشكل مثلت حوالي 2%  من مجموع الاموال المقرضه للمشاريع الصغيره والمتوسطه في بريطانيا وفي أمريكا. كما أنه ومن خلال منصه منصة تمويل واحده فقط تم تجميع اكثر من 18مليار دولار حتى منتصف عام 2017l.

لماذا تتجه الشركات الكبيرة للاستثمار في رأس المال الجريء ؟ 

تتسم الشركات الكبيرة كأي منشئة بعوامل قوى وضعف داخلية وخارجية ، فكما أن لديها سياسات وتشريعات و هيكلة ادارية ومالية إلا أنها تعاني من ثقل كبير في تجربة الإبتكارات وموائمة التغيرات في التقنية والسوق، لذلك تتجه كثير منها الى عدم المساس بالبنية القوية التي أنشأت عليها ، وتتجه الى الاستثمار في شركات ابتكارية وذلك لغرض التكامل مع عملياتها الأساسية أو لتنويع مصادر دخلها. 

كما أن السبب الثاني لاتجاه الشركات الكبيرة للاستثمارات الجريئة هو ارتفاع معدل عوائد الاستثمار، حيث يعتبر من أعلى معدلات عوائد الأصول الاستثمارية والتي تقارب الـ٢٤٪ سنوياً مقارنة بـ 8-١٠٪ للأسهم و ٦-٧٪ للأصول العقارية.

لماذا تهتم الحكومة والجامعات بتطوير قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة والاستثمار في رأس المال الجريء؟ 

تسهم مشاريع رواد الأعمال والمنشآت الصغيرة والمتوسطة في نمو الاقتصاد وتحسين المستوى المعيشي وحياة الناس من خلال استحداث الوظائف للمواطنين والمقيمين. كما تسهم في تطوير حلول للمشاكل الحالية في المجتمع وتطوير القطاعات بإختلافها ، وكذلك تطوير الكفاءات من خلال تبادل الأفكار الريادية والتسويقية وجذب الأفكار الجديدة للدول والمجتمعات. ولذلك تسعى الدول والحكومات لدعم نمو هذا القطاع وإيجاد بيئة مناسبة للمستثمرين و رواد الأعمال والجهات الحكومية والشركات الخاصه لتبادل الخبرات والاستفادة الاستثمارية والمجتمعيه لها، وهذا لا يكون إلا من خلال سلسلة كاملة من البيئة الاستثمارية والبنية التحتية. ولأجل ذلك كان أحد ركائز رؤية المملكه 2030هو نمو هذا القطاع ليصل الى ٣٥٪ من الناتج المحلي الإجمالي.

أما الجامعات فتسعى لدعم رواد الأعمال والمستثمرين لهذا القطاع لتوسيع المعرفة والتحقق من صحة المعرفة النظرية والابحاث التي تدرس في الجامعات ، واستغلال فكر وطاقات الطلاب للأمور الابتكارية والمفيدة للمستثمرين والمجتمع مما يعود عليها كجامعة بالمنفعة الأكاديمية والسمعة الحسنة والفوائد الاقتصادية المعنوية والمادية.

مالذي سيحدث مستقبلاً في هذا القطاع ؟

قد لا يكون كل ما ذكر سابقا ، استثمارات يتم تصنيفها كرأس مال جريء بشكله التقليدي ، ولكن عبارة عن تطور لشكل هذا الاستثمار بما يناسب كل بيئة زمنية مر بها هذا الاستثمار.

استحدثت حديثاً ، وتحديداً خلال السنة الماضية،  آلية جديدة ومنصات الكترونية لتمويل الأفكار ذات العملة الرقمية وما يسمى بالطرح المبدئي للنقود والتي تختص بانشاء وعمل العملات الرقمية والتي تمكن المكتتب فيها من امتلاك حصة نقدية مقابل العمل على انشاء عملة الكترونية يسعى الى تداولها في السوق العالمية حيث تم تمويل أكثر من 5.2  مليار دولار خلال عام 2017 فقط ،  ويتوقع أن ترى رواجاً أكثر للراغبين في الدخول لهذا العالم. 

خاتماً ، مهما كان نوعية الاستثمار في الشركات الناشئة وعلى اختلاف اشكالها ومسمياتها إلا أن جميع صناديق رأس المال الجريء تشترك وتهتم وتركز على تطوير ونجاح الشركة المستثمر فيها ، من خلال الأموال أو النصائح الإستراتيجية أو التطوير الدائم للمنتج أو نموذج العمل والمشاركة من خلال الاجتماعات الربعية لدفع مسيرة الشركة للنجاح.

ولا شك آن جميع المراحل السابقة وطريقة تمويلها للشركات الناشئة ووجودها ضمن منظومة بيئة ريادة الاعمال هي جزء لا يتجزء من دعم هذا القطاع وتطويره.

 


- - - - 

المصادر :

bloomberg, VisiualCapitalist, TechCrunch, Harvard iLab

ealthukair @

    مقالات سابقة

المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

عجلان وإخوانه