الثلاثاء 29 ربيع الثاني 1439 - 16 يناير 2018 - 25 الجدي 1396

علي النعيمي .. سِفر النجاح والتميز 

عبدالخالق بن علي

النماذج السعودية المتميزة كثيرة وفي كل المجالات ويصعب حصرها، لكن معالي وزير البترول والمعادن السابق الساعي والمهندس والمدير التنفيذي ورئيس ارامكو السعودية الأسبق علي النعيمي نموذج خاص ومميز جدا جدا . وتستحق سيرته أكثر من كتاب متخصص في كل جانب من جوانبها لنقل تجربته المميزة والناجحة للأجيال الحالية والقادمة من الشباب ، فسير المبدعين من أكبر المحفزات والإضاءات في طريق الباحثين عن التفوق والإبداع . 

يومان عشتهما مع السيرة العملية لذلك الرجل الرائع علي النعيمي في كتابه (علي النعيمي من البادية إلى عالم النفط) كلها متعة وفكر وعمل ونشاط وتنقل من زمن لزمن ومن ومكان لمكان ومن نجاح لنجاح ومن تحدي لأخر ، وذلك البدوي ينمو بفكره وعمله وإبداعه ولا يفقد أصالته وحدسه البدوي في تتبع منابع الماء والسير بالنجوم وتحمل أقسى الظروف وتجاوز أصعب العقبات بعزة الواثق من نفسه . 

أستوقفني في سيرة هذا الرائع الكثير من المواضيع الاقتصادية والسياسية والإدارية والشخصية ، والأخيرة سأركز عليها في سفر نجاحات وتميز علي النعيمي والتي يجب أن يعرفها الشباب الراغبون في التميز والإبداع وتحقيق الطموح والأهداف العظيمة . 
تحديد الهدف بوضوح أهم مزايا النعيمي وأهم مزية في كل الناجحين ، كانت أهداف النعيمي في كل مرحلة من مراحل حياته واضحة بالنسبة له وضوح الشمس ، فمنذ كان شابا يافعا ورغبته في الإلتحاق بأرامكو إلى هدفه في مواصلة تعليمه ، إلى مجالات العمل التي رغب ممارستها في كافة قطاعات أرامكو.

 وعندما انتقل للوزارة كانت أهدافه أيضا واضحة يلمسها كل من يقابله ، فأهدافه واضحة في السياسات والمشاريع والعلاقات الدولية والتفاوض حول الإنتاج والأسعار . ولشدة وضوح أهدافه فقد سئل ولما يزل طالبا في مدارس أرامكو ماهو هدفك فقال أن أصبح رئيسا لأرامكو ، وقد كان . ومن أجل ذلك الهدف الواضح كان يتتبع العمل في المواقع التي تساعده على تحقيقه مهما كانت صعوبته ، بل إنه أصر أن يعمل في موقع إنخفض فيه مرتبه كثيرا لأنه الطريق إلى هدفه . 

والأهداف الواضحة تخلق من صاحبها مقاتلا شرسا لتحقيق تلك الأهداف ، وذلك ما كان عليه النعيمي. فقد امتلك إصرارا وصبرا في سبيل تحقيق أهدافه ما يلفت به الأنظار، ولعل تحقيقه أعلى المراتب دراسيا وعمليا ، وحصوله على العمل الذي يريد والمكان الذي يريد شاهد على هذه الصفة المهمة في الناجحين . حتى عندما كان وزيرا مفاوضا كان يدخل في المفاوضات بأهداف محددة وواضحة ويستمر في المفاوضات لسنوات طويلة ليحصل في النهاية على ما يريد لبلده . ولم يكن يتنازل عن أهدافه مهما كلفه الأمر فالخسارة المرحلية المؤقتة أهون من خسارة الهدف ، فمفاوضاته مع اليابانيين الشرسين استمرت لسنوات انتهت للاشيء لأنهم لم يعطوه ما أراد ، لكن وبعد سنوات طويلة عادوا للتفاوض معه لكن بفكر مختلف متيقنين أنه ليس صيدا سهلا ولن يسلم لهم مهما كانت قدراتهم التفاوضية ، وتم الإتفاق معهم على ما يحقق أهدافه ويخدم وطنه . 

والمبادرة من الصفات البارزة جدا في سيرة النعيمي فلم يكن ينتظر أن تتهيأ له الظروف ، بل يصنع هو الظروف المناسبة للوصول لهدفه ، ففي حياته الدراسية كان يستبق كل مرحلة بالسؤال عنها والتجهيز لها ، وفي العمل كما في الدراسة كان يذهب للمسؤول مباشرة ويطرح عليه موضوعه ويبحث معه حلول مشاكله . وفي الوزارة كان يبادر لبيان وجهة نظرة للشركاء ويبحث عن الحلول الجديدة لحلحلة العقد والمشاكل ، وكان يستخدم المشي كأداة لتخفيف التوتر وتقوية العلاقات وإثبات الجدارة . وصفة المبادرة كانت تختصر عليه الكثير من الوقت والجهد وبسببها حصل على قبول للدراسة وحصل على مصاريف إضافية وقبول في أرقى الجامعات وحصل على المواقع الوظيفية التي يرغب بها ويتمناها ، وبها نجح في كثير من المفاوضات الصعبة ، وحصل على التمويل الحكومي الذي يريده لجامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية كاوست .  

ولولا الثقة المفرطة في نفسه ما استطاع النعيمي أن ينجز ما أنجزه حتى أبهر العالم وأصبح أحد أهم شخصيات القطاع النفطي العالمي ، ليس لأنه ضمن فريق عمل أهم دولة منتجة ومصدرة للنفط في العالم ، بل لأنه شخصيا يمتلك الصفات والإنجازات التي إستحق بها تلك المكانة . وثقة النعيمي بنفسه ظهرت من بداياته في أرامكو وهو لمّا يتجاوز الرابعة عشرة من عمرة عندما عمل ساعيا وكان مصرا أن يظهر أكبر سِنّه ليُقبل في العمل ويستمر فيه ، وثقته بنفسه هي من جعله يقبل كل عمل جديد يعرض عليه برغبة أكيدة في النجاح بل والتميز ، وذلك ما حدث فعلا في كافة مراحل حياته العملية . وهذه الصفة جعلته يثق بمن حوله وبفريق عمله من رؤساء ومرؤسين ، وبتلك الصفة كان يعمل بروح الفريق لا بأنانية الفرد، لذلك كان يحقق من النجاحات أكبر مما يستطيع. 

والمجازفة في التعامل مع الحياة الطبيعية البدوية تجلت في شخصية النعيمي حتى ليخيل لمن يقرأ سيرته أنه أمام مقامر لا يحسب للأمور حساب ، فكيف لشاب صغير السن جدا أن يقبل العمل كمشرف سري على العمال ويخاطر بحياته لو تم كشفه ، وأن يدخل في تحديات مع رؤسائه  في أصعب ظروف العمل والذي لم يكن يعرف عنه شيء من قبل ، وأن يقوم بأعمال كبيرة عجز عنها كبار مهندسي أرامكو المتمرسين وأن يعيد الحياة لبئر نفط توقفت عن الإنتاج باستخدامات تقنية جديدة لم يسبقه لها أحد ، بل وتقنية خطيرة جدا ، وأن يجازف ويخرج من اجتماعات أوبك لأنه لم يرى فيها أي جديد . ولأنه مجازف ماهر أصبح صياد فرص ماهر سواء في عمله في أرامكو أو في الوزارة ، وحقق بمجازفته ما لم يكن ليحققه بخوفه وتردده وحساب بعض العواقب التي يستخدمها الخصوم . 

والصراعات الداخلية والخارجية من أجل حماية أرامكو وكيانها من الذوبان ونجاحه في ذلك ، يدل بوضوح على صفة المجازفة في شخصيته . وبسبب هذه الصفة كون فريقا من المجازفين الأقوياء الذين يقبلون أخطر التحديات ، كفك تجميد أبار النفط أيام حرب تحرير الكويت (غردت عنها قبل أسبوع) ، وكقبول إنشاء وإدارة جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية كاوست، والأخطر المجازفة بمليارات الدولارات لتطوير حقل الشيبة في أصعب مكان على الأرض جنوب شرق المملكة العربية السعودية باستخدام تقنيات حديثة لم تستخدم في المملكة من قبل ، بتكلفة منخفضة نوعا ما وفي مدة وجيزة ، متحديا الشركات العالمية التي كانت ترغب بالفوز بذلك الحقل الغني والتي تملك التقنية والخبرة في مثل تلك الظروف الصعبة . 

وبتوفيق الله سبحانه ثم بفضل تلك الصفات وغيرها ، تنقل الطفل علي النعيمي من مراسل بوظيفة مؤقتة إلى كاتب آلة محترف بلغتين ثم مشرف حسابات ثم طالبا في لبنان ثم أمريكا ثم مهندسا جيولوجيا في حقول النفط شرق السعودية حتى عرفها كظاهر كفه. 

وخلال عمله في أرامكو تنقل بين معظم قطاعاتها إن لم يكن جميعها، وكان في كل مكان يحقق أقصى درجات النجاح ، ليصبح المدير التنفيذي الأول لأرامكو والرئيس الأول لها ثم الوزير الأول للنفط الذي أتى للوزارة بزيوت الحقول لا بعطور المكاتب الفارهة. 

في الختام ليس من أهدف المقال الثناء على النعيمي وإن كان يستحق وأكثر، بل لألفت أنظار الشباب لكتاب يستحق الإقتناء والإعتناء (علي النعيمي من البادية على عالم النفط) . وقد عملت الغرفة التجارية في الشرقية خيرا حينما استضافت تلك الشخصية المميزة ليتعرف عليها الشباب عن قرب ، وأتمنى أن يزور معالي المهندس علي النعيمي جميع مناطق المملكة ويعرف الشباب بسيرته الذهبية . 
 

abdulkhalig_ali@ المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

عجلان وإخوانه